لو أنفقت "مليارات الحروب" على التنمية هل بقي فقير؟
Rania Magazine

مشاريع الخليج

لو أنفقت "مليارات الحروب" على التنمية هل بقي فقير؟

 
 
 
Facebook
 
Twitter
 
Linkedin
 
 

السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو أنه لو تمّ صرف جزء من نفقات غارات الطائرات على البشر والحجر وهجمات الدبابات والتسلح المتعدّد المصادر الذي كلّف مليارات الدولارات يضاف إليه غداً كلفة إعادة الإعمار إضافة للخسائر الجسيمة في الأرواح، لو أُنفِق جزء من هذه المليارات على الإنماء والإعمار هل كان في المنطقة كلها فقير أو محتاج عدا تحوّل العديد من المناطق بسهولها وأراضيها الزراعية الى واحة تحلم الدول المتطورة بالوصول إليها؟ ونحن في عالمنا العربي نملك مساحات شاسعة قابلة للإفادة منها والقضاء على الفقر والحاجة الى الاستيراد حتى لا نأكل ممّا نزرع ونشرب ممّا لا نعصر ونلبس ممّا لا ننسج على حدّ قول جبران خليل جبران. ومن ثم وهو الأهمّ والأكثر جدوى أن نعيش في ظلال الأمن والاستقرار والرخاء فلا اضطرابات ولا مشاكل لأنّ جميع الثورات منذ بداية العصر الحديث وقبله كانت ثمرة الفقر والمطالبة بحياة كريمة، وقديماً، كما هو معروف، فقط كانت الحروب والغزوات تتم بسبب المياه والعشب وما زلنا في منطقتنا العربية نعيش اللاستقرار الاجتماعي وايضاً السياسي نتيجة معاناة من زالوا  مهمّشين وكأنهم في زمن غابر يعانون عدم الإنتماء الى عصر الحضارة ويحتاجون الى الكهرباء والمياه والإقامة في غير الاكواخ والخيم ومعاناة برد الشتاء وحرارة الصيف. والسؤال الآخر الذي يفرض نفسه هو كم من الأموال الطائلة والسنين العديدة ستحتاج إعادة البناء والاعمار وهناك مدن بأكملها باتت أشبه بأرض محروقة وقرى لم تعد موجودة كما كانت. فمواطنوها قِتلوا أو هجّروا ولو على زوارق الموت غرقاً أو يقيمون في دول مجاورة أو بعيدة يقاسون غضب الطبيعة صيفاً وشتاءً وأطفالهم يتضورون جوعاً من دون أن تفي بحاجاتهم مساعدات الأمم المتحدة والدول المانحة، ثم أن الذين يتخلفون عن الركب المندفع الى الامام يحتاجون الى سنوات وسنوات للوصول الى ما كانوا عليه فكيف ببلوغ المسافة الشاسعة التي اجتازوها؟. وتوصف موجة العنف التي تجتاح المنطقة العربية في هذه المرحلة بأنها الأخطر كونها داخلية بمعظمها وإن كانت هناك رياح خارجية تحركها المصالح إقليمية ودولية وكأنها رقعة شطرنج يلعب عليها الكبار والنافذون والمتصارعون في ما بينهم، على النفوذ والسيطرة الاقتصادية دون مبالاة بمئات آلاف الضحايا وهول التدمير بأسلحة متطورة كونها لا تطاول شعوبهم وحضارتهم وما حقّقوه من تقدّم. وكون تلك الموجة بأدوات داخلية فإنها الأشدّ تأثيراً سلبياً، فالغزوات والاجتياحات منذ الاسكندر وصولاً الى هولاكو ومن تستروا بصليب السيد المسيح فإنّ الإستعمار مهما طال أمده محكوم بأن يحمل عصاه على كاهله ويرحل من أرض الدول والشعوب المعتدي عليها وهكذا حدث كما يروي لنا التاريخ، والمنطقة الى الآن تفتقد الى الإرادة الشعبية الموحّدة إذ بات كل فريق على أرضها مصاب بالمذهبية والإنتماء الى طائفة حزبية أو فئوية  يحارب الآخر دون أن يعرف بأنّه لن يكون منتصراً إلاّ بالتوحّد والنظام الديمقراطي العادل والحكم المجنّد لخدمة الشعب باعتماد الشورى أو الانتخابات الحرّة النزيهة دون تشبّث بكرسي المسؤولية وكأنها إرث شرعي وقد أدى ذلك في غير مكان من العالم الى ثورات وأبرزها الثورة الفرنسية التي ما زالت مقياساً لما يكون عليه الحكم في خدمة الشعب وليس وصياً عليه بالقهر والإذلال. هذا الواقع يفرض الإفادة ممّا جرى خارج المنطقة العربية كي يكون الدرس مفيداً وإن كان ما يجري يحجب الرؤية بسحبه السوداء عن كيفية ما يكون عليه المستقبل القريب. ولن يكون بالإمكان تناسي مئات الشباب كما يصعب إعادة بناء ما دمره التقاتل حتى بين الاخوة وأبناء العائلة الواحدة والحضارة المشتركة بأساليب لا صلة لها بجوهر الأديان السماوية. رغم فداحة وخطورة ما حدث ويحدث فإننا الى واقع العودة الى صحوة الضمير نتطلّع بتفاؤل وإن كان هذا التفاؤل أقرب الى الوهم بفعل ما حلّ بنا من قتل وتدمير وتخريب حتى للمدارس والمستشفيات ودُور العبادة من كنائس ومساجد والى أين يعود النازحون من نيران التقاتل الأعمى وأين سيقيمون ومنازلهم أنقاض وأملاكهم أكلتها قذائف الطائرات والدبابات وحوّلتها الى حقل لا نبت فيه ولا وسائل للعيش ولو كان كفافاً، إلاّ أن نظرة تفاؤلنا تعود الى ما يختزنه شعبنا من إرادة البقاء ونشدان الحياة الكريمة، وقد عانت هذه الأمة أقسى أساليب الخراب والدمار وإحراق التراث الذي كان مرجعاً ونبراس معرفة يختزن فلسفة اليونان وحضارة فارس والهند والصين، وعادت لتنهض وتبني وتتقدّم.

                بقلم: نائب رئيس اتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة في لبنان محمد لمع   

 

 
 
الخميس، 31 تشرين الأوّل 2019
|| المصدر: مجلة رانيا

أضف تعليقاً

الأسم *
البريد الإلكتروني *
التعليق *
كود السرّيّة *
(*) كود السرّيّة يهدف لحماية الزائر/العضو والموقع في نفس الوقت

تعليقات الزوار

    إن موقع مجلة "رانيا" لا يتحمل مسؤولية التعليقات وهو غير مسؤول عنها.

موضة

New Arrivals

صحة وتجميل

احمي بشرتك في الصيف مع عبجي
احمي بشرتك في الصيف مع عبجي

تقرير

العجز المائي سيصل إلى 610 ملايين متر مكعب عام 2035
العجز المائي سيصل إلى 610 ملايين متر مكعب عام 2035 ...
 
 
 
 
 
 
 
  • Facebook
  • Twitter
  • Insatgram
  • Linkedin
 
CONTACT US
 
Address:
Beirut, Dekwaneh, Fouad Shehab Road, GGF Center, Block A, 3rd Floor
 
Phone: +961 1 484 084
Fax: +961 1 484 284
 
Email:
info@raniamagazine.com
 
 
RANIA MAGAZINE
 
RANIA MAGAZINE was first issued at the beginning of year 2002 as a monthly magazine.


RANIA MAGAZINE is concerned with economic, development, social and health affairs, news of municipalities, ministries and banks…
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة @2022 لِمجلّة رانيا | برمجة وتصميم Asmar Pro